محمد بيومي مهران

163

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

من أن الذي امر إبراهيم بذبحه إنما كان إسحاقا « 1 » . وإذا أردنا مناقشة حجج اليهود والنصارى هذه ، فإننا نلاحظ عليها عدة نقاط ، منها ( أولا ) أنها تصف الذبيح بأنه ابن إبراهيم الوحيد ، وهو وصف لا يمكن - بحال من الأحوال - أن ينطبق على غير إسماعيل وحده في السنوات الأربعة عشرة الأولى من عمره ، والتي سبقت مولد إسحاق ، وانطلاقا من هذا ، فإن إسحاق لم يكتب له في يوم من الأيام أن يكون وحيد إبراهيم ، ذلك لأن إسماعيل قد عاش حتى وفاة إبراهيم ، ثم اشترك مع إسحاق في دفنه بمغارة المكفية ، كنص التوراة نفسها « 2 » ، وهكذا لم يكن إسحاق أبدا وحيدا مع وجود إسماعيل ، أما إسماعيل فقد كان وحيدا قبل مولد إسحاق ، ومن هنا كانت لفظة إسحاق في نص التوراة « خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق » « 3 » مقحمة ، لأنه لم يكن وحيدا ولا بكرا ، وإنما ذلك هو إسماعيل ، ولعل الذي حمل اليهود على ذلك هو حسد العرب « 4 » ، وحرصا منهم على أن يكون أبوهم إسحاق هو الذبيح الذي جاد بنفسه في طاعة ربه ، وهو في حالة صغره ، هذا فضلا عن أن ذلك إنما يتعارض ونصوص أخرى من التوراة . ومنها ( ثانيا ) أن ما جاء في الإنجيل - في الرسالة إلى العبرانيين - فقد كان الحل الذي ارتضاه فقهاء المسيحية للخروج من مشكلة : كيف يؤمر إبراهيم بذبح إسحاق ، وهو ابنه الموعود الذي يخرج منه الشعب المختار ، طبقا لرواية التوراة « بإسحاق يدعى لك نسل » « 5 » ، إذ لو كان إسحاق

--> ( 1 ) الطبري 1 / 265 ، ابن كثير 1 / 159 - 160 ، ابن الأثير 1 / 109 ، تفسير البيضاوي 2 / 297 ، تفسير الطبري 23 / 77 - 83 ، تفسير القرطبي 15 / 101 ( 2 ) تكوين 16 : 16 ، 25 : 9 ( 3 ) تكوين 22 : 2 ( 4 ) ابن كثير 1 / 159 ، راجع فتاوى ابن تيمية 4 / 331 - 332 ( 5 ) تكوين 21 : 12